الشيخ محمد النهاوندي
541
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
وعشائر بالمدينة ، وكانوا ملازمين للمسجد ساكنين في صفّته « 1 » ؛ وهي مسقّفة ، يتعلّمون القرآن باللّيل ، ويستغرقون أوقاتهم بالتّعلّم والعبادة والجهاد ، ويخرجون في كلّ غزوة وسريّة بعثها رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله « 2 » . عن ابن عبّاس ، قال : وقف رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله يوما على أصحاب الصّفّة ، فرأى فقرهم وجهدهم « 3 » ، فطيّب قلوبهم فقال : « أبشروا يا أصحاب الصّفّة ، فمن لقيني من امّتي على النّعت الذي أنتم عليه ؛ راضيا بما فيه ، فإنّه من رفقائي » « 4 » . وعن ابن عبّاس رحمه اللّه ، في تفسير الآية قال : هؤلاء قوم « 5 » حبسهم الفقر عن الجهاد في سبيل اللّه ، فعذرهم اللّه « 6 » . ثمّ بعد بيان واقع حالهم ، بيّن حال عشرتهم وسلوكهم مع النّاس بقوله : يَحْسَبُهُمُ ويظنّهم الْجاهِلُ بحالهم وشأنهم غير المختبر لأمرهم كونهم أَغْنِياءَ مِنَ أجل غاية التَّعَفُّفِ وكفّ النّفس عن مسألة النّاس ، وإظهار الحاجة إليهم . روي أنّهم كانوا يقومون باللّيل للتّهجّد ، ويحطبون بالنّهار للتّعفّف « 7 » . ثمّ كأنّه قيل : فكيف يعرف فقرهم ؟ فقال سبحانه : تَعْرِفُهُمْ بالفقر والفاقة بِسِيماهُمْ وعلامات الفقر فيهم من صفرة اللّون ، ونحول الجسم ، وضعف القوى ، ورثاثة الثّياب ، وأمثال ذلك . ثمّ لمّا كان الإنسان لا يكاد يخلوا عن الاضطرار إلى السؤال وطلب الحاجة من الغير ، ولو بالغ في التّعفّف ، وصفهم سبحانه - بعد توصيفهم بالمبالغة في التّعفّف - بأنّهم قوم إذا اضطرّوا إلى سؤال حاجة دنيويّة لا يَسْئَلُونَ النَّاسَ حاجتهم إِلْحافاً وإلحاحا . عن ابن مسعود : أنّ اللّه يحبّ العفيف المتعفّف ، ويبغض الفاحش البذيء . وقيل : السائل الملحف : الذي إن أعطي كثيرا أفرط في المدح ، وإن أعطي قليلا أفرط في الذّمّ « 8 » . وعن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله : « لا يفتح أحد باب مسألة إلّا فتح اللّه عليه باب فقر ، ومن يستغن يغنه اللّه ، ومن يستعفف يعفّه اللّه ، لأن يأخذ أحدكم حبلا يحتطب فيبيعه بمدّ من تمر ، خير له من أن يسأل
--> ( 1 ) . الصّفّة : المكان المظلّل في مسجد المدينة ، حيث كان يأوي إليه فقراء المهاجرين ويرعاهم الرسول صلّى اللّه عليه وآله ، وهم أصاب الصفّة . ( 2 ) . تفسير الرازي 7 : 79 . ( 3 ) . في تفسير الرازي : وجدهم . ( 4 ) . تفسير الرازي 7 : 79 ، وفيه : من رفاقي . ( 5 ) . زاد في تفسير الرازي : من المهاجرين . ( 6 ) . تفسير الرازي 7 : 80 . ( 7 ) . تفسير الرازي 7 : 81 . ( 8 ) . تفسير الرازي 7 : 81 .